ابراهيم بن عمر البقاعي
52
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
مثلا لما هو دونه في الظهور ، وكلما ظهر ممثول صار مثلا لما هو أخفى منه ، فكان لذلك أمثالا عددا منها مثل ليس بممثول لظهوره وممثولات تصير أمثالا لما هو أخفى منها إلى أن تنتهي الأمثال إلى غاية محسوس أو معلوم ، فتكون تلك الغاية مثلا أعلى كالسماوات والأرض فيما يحس والعرش والكرسي فيما يعلم وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الروم : 27 ] الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [ غافر : 7 ] وذلك المثل الأعلى لإحاطته اسمه الحمد وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الروم : 18 ] وأحمده أنهاه وأدناه إلى اللّه تعالى بحيث لا يكون بينه وبين اللّه تعالى واسطة ، فلذلك ما استحق أكمل الخلق وأجمعه وأكمل الأمر وأجمعه الاختصاص بالحمد ، فكان أكمل الأمور سورة الحمد وكان أكمل الخلق صورة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، كان خلقه القرآن لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [ الحجر : 87 ] ودون المثل الأعلى الجامع الأمثال العلية المفصلة منه ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ الروم : 28 ] ولإحاطة أمر اللّه وكماله في كل شيء يصح أن يضربه مثلا إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [ البقرة : 26 ] مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً [ العنكبوت : 41 ] وللمثل حكم من ممثوله ، إن كان حسنا حسن مثله ، وإن كان سيئا ساء مثله ؛ ولما كان أعلى الأمثال الحمد كان أول الفاتحة الحمد ، ولما كان أخفى أمر الخلق النفاق كان أول مثل في الترتيب مثل النفاق ، وهو أدنى مثل لما خفي من أمر الخلق ، كما أن الحمد أعلى مثل لما غاب من أمر الحق : وبين الحدين أمثال حسنة وسيئة مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [ الرعد : 35 ] الآيتين ، مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها [ الجمعة : 5 ] فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ [ الأعراف : 176 ] الآيتين . وبقدر علو المثل أو دنوه أو توسطه يتزايد للمؤمن الإيمان وللعالم العلم وللفاهم الفهم ، وبضد ذلك لمن اتصف بأضداد تلك الأوصاف ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ومعرفة أمثال القرآن المعرفة إحاطة ممثولاتها وعلم آياته المعلمة اختصاص معلوماتها هو حظ العقل واللب وحرفه من القرآن ، ولكل حرف اختصاص بحظ من تدرّك الإنسان وأعمال القلوب والأنفس والأبدان ، فمن يسر له القراءة والعمل بحرف منه اكتفى ، ومن جمع له قراءة جميع أحرفه علما وعملا فقد أتم ووفّى ، وبذلك يكون القارئ من القراء الذين قال فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنهم أعز من الكبريت الأحمر » « 1 » يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [ آل عمران : 74 ] .
--> ( 1 ) هذا خبر غريب جدا . ولم أعثر عليه بعد تفتيش وتمحيص ، واللّه أعلم .